النويري
43
نهاية الأرب في فنون الأدب
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثاني في حسن السياسة ، وإقامة المملكة ، ويتّصل به الحزم ، والعزم ، وانتهاز الفرصة ، والحلم ، والعفو ، والعقوبة ، والانتقام فأما ما قيل في حسن السياسة وإقامة المملكة ؛ قالوا : من طلب الرياسة فليصبر على مضض السياسة . ويقال : إذا صحّت السياسة تمّت الرياسة . كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجّاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه [ بسيرته [ 1 ] ] فكتب إليه : إنّى أيقظت رأيي وأنمت هواي ، وأدنيت السّيد المطاع في قومه ، وولَّيت الحرب الحازم في أمره ، وقلَّدت الخراج الموفّر لأمانته ، وقسمت لكلّ خصم من نفسي قسما ، أعطيته حظَّا من لطيف عنايتى ونظرى ، وصرفت السيف إلى النّطف [ 2 ] المسىء ، [ والثواب إلى المحسن البرىء [ 1 ] ] ؛ فخاف المريب صولة العقاب ، وتمسّك المحسن بحظَّه [ من [ 1 ] ] الثواب . وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه : يا أبت ، ما السياسة ؟ فقال : هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها ، واقتياد قلوب العامّة مع الإنصاف لها ، واحتمال هفوات الصنائع [ 3 ] . وقيل : بلغ بعض الملوك سياسة ملك آخر فكتب اليه : قد بلغت من حسن السياسة مبلغا لم يبلغه ملك في زمانك ، فأفدنى الذي بلغت به ذلك ؛ فكتب إليه : لم أهزل في أمر و [ لا [ 4 ] ] نهى ولا وعد ولا وعيد ، واستكفيت أهل الكفاية وأثبت على
--> [ 1 ] زيادة عن العقد الفريد ، ج 1 ص 10 [ 2 ] النطف : المريب . [ 3 ] في الأصل : « أهل الصناعات » والتصويب عن عيون الأخبار ( مجلد 1 ص 10 ) والصنائع جمع صنيعة ، يقال : فلان صنيعة فلان إذا اصطنعه وخرّجه وأدّبه وربّاه . [ 4 ] زيادة عن عيون الأخبار ( مجلد 1 ص 10 طبع دار الكتب المصرية ) .